الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
511
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
الأنبياء ، بل أفضل خلق اللّه كلهم . وقد روى هذا الحديث - أيضا - الحاكم في صحيحه عن ابن عباس ، لكن بلفظ : « أنا سيد ولد آدم ، وعلى سيد العرب » « 1 » . وقال : إنه صحيح ولم يخرجاه . وله شاهد من حديث عروة عن عائشة ، وساقه من طريق أحمد بن عبيد عن ناصح قال : حدثنا الحسين عن علوان - وهما ضعيفان - عن هشام ابن عروة عن أبيه ، عن عائشة بلفظ : « ادعوا لي سيد العرب » قالت : فقلت : يا رسول اللّه ألست سيد العرب ؟ فقال : وذكره « 2 » . وكذا أورده من حديث عمر بن موسى الوجيهى - وهو ضعيف أيضا - عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا : « ادعوا لي سيد العرب » فقالت عائشة : ألست بسيد العرب وذكره . قال شيخنا : وكلها ضعيفة . بل جنح الذهبي إلى الحكم على ذلك بالوضع . انتهى . ولم يقل - صلى اللّه عليه وسلم - : أنا سيد الناس عجبا وافتخارا على من دونه ، حاشاه اللّه من ذلك ، وإنما قاله - صلى اللّه عليه وسلم - إظهارا لنعمة اللّه تعالى عليه ، وإعلاما للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند اللّه تعالى ، وعلو منزلته لديه ، لتعرف نعمة اللّه عليه وعليهم . وكذا العبد إذ لاحظ ما هو فيه من فيض المدد ، وشهده من عين المنة ومحض الجود ، وشهد مع ذلك فقره إلى ربه في كل لحظة ، وعدم استغنائه عنه طرفة عين أنشأ له ذلك في قلبه سحائب السرور ، فإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه وامتلأ أفقه بها أمطرت عليه وابل الطرب بما هو فيه من لذيذ السرور ، فإن لم يصبه وابل فطل ، وحينئذ يجرى على لسانه الافتخار من غير عجيب ولا فخر ، بل فرح بفضل اللّه وبرحمته ، كما قال تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا « 3 » فالافتخار على ظاهره ، والافتخار والانكسار في باطنه ، ولا ينافي أحدهما الآخر ، وإلى هذا المعنى يشير قول العارف الرباني سيد على الوفائى في قصيدته التي أولها :
--> ( 1 ) هو الحديث السابق . ( 2 ) انظر ما قبله . ( 3 ) سورة يونس : 58 .